تلخيص لرواية " 1984 " لجورج أورويل

كتبت: بنازير مجدي


ربما كان الأدب دائما وعلي مر العصور أكثر الأشياء تأثيرا علي الأوضاع، فربما يجوز لنا أن نقول إنه وراء كل ثورة حقيقية رواية أو كتاب أو قصة أدبية عظيمة، رسمها و أحسن صنعها كاتبها ومؤلفها لتحدث أثرا كبيرا في نفوس البعض، وتخلق لديهم وعي عميق نستطيع أن نتلمس أثاره في نبض الثوار وفكرهم، وربما نستطيع أن نشير علي سبيل المثال إلي أعظم و أروع تلك الأدبيات التي استطاعت أن تؤثر تأثيراً كبيراً في العالم، ومن بين هذه الروائع كتاب " رأس المال " لماركس، والذي إستطاع أن يحدث تغييرا بل وثورة، وكذلك رواية " ألف ليلة وليلة " و " مزرعة الحيوان "، تلك الأدبيات التي تركت أثرا ملموسا في الفكر والوعي، وربما هذا هو ما اعنيه بالثورة منذ بداية الحديث، فلم أكن فقط أريد الإشارة إلي تلك الثورات السياسية، والتي تمكنت من قلب أنظمة الحكم وتبديلها، ولكن ما عنيته بالثورة هنا، هو ذلك المعني الأوسع للثورة، فالثورة هي الوعي وما أحدثته هذه الأعمال الأدبية من ثورة كان حقا يتجاوز تلك المعاني البسيطة.

استطاع أورويل أن يصور لنا في روايته تلك الأنظمة الشمولية، الأنظمة التي تهدف إلي غاية تصبح معها الدولة " الحزب الواحد "  هي كل شيء، ويتلاشي فيها أي أمكانية للإختلاف، تتلاشي فيها كل قيم الفرد وحرياته، باعتبار أن الدولة " الحزب الحاكم " هي كل شيء، ويصبح من يملكون السلطة هم بلا شك من يملكون السيطرة والهيمنة، والخروج عليهم يعد خيانة عظمة تستحق العقاب بلا شك، وقد جاءت رواية 1984، رواية تصور لتلك النخبة التي تتحكم في كل شيء، نخبة لم تكن تهدف لفرض سيطرة سياسية فقط، بل كانت أكثر حكمة ودهاء، فقد كانت تعلم جيداً أن الهيمنة السياسية حتما سيلاحقها الزوال، فقد أرادت أن تؤسس لما هو أبقي و أكثر استمرارا وفعالية، لذلك كانت قد أتت بسلطة الفكر، سلطة الهيمنة علي العقول والأفكار، سلطة لن تجعلك تنطق باسمها ومبادئها فقط، بل ستجعلك تفكر أيضا كما أرادت لك أن تفكر، وهذا ما استطاع أورويل أن يرسمه ويصوره بجدارة أدبية خلال  روايته 1984، التي صورت لنا مدينة دسيوتوبية لنخوض معا في قراءة.

- نبذة عن المؤلف :
يعد جورج أورويل صحفي وروائي، كتب في النقد الأدبي والشعر و الصحافة، ولد في 25 يونيو 1903، في ولاية بيهار الهندية، اشتهر بعدة أعمال منها، رواية " 1984 "، و " مزرعة الحيوان " و " ايام بورما "، وتوفي أورويل في 29 يناير 1980، بعدما أصابه مرض السل، وكان أورويل قد تأثر منذ الطفولة بكتابات " جورج برنارد شو "، و سومريت موم، وصاموئيل بتلر، و " ألدوس هكسلي ".
سننطلق أولا في قراءة هذه الرواية، من خلال عباراتها الأكثر تأثيرا وتجسيدا لسير الأحداث، حيث حملت الرواية عدد من المفرادات والعبارات التي استطاعت أن توصف بجدارة ما يحدث في ولاية اوقيانيا..
  • 1- " الأخ الأكبر يراقبك "
  • 2- " من يسيطر علي الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر علي الماضي "
  • 3- " إن جريمة الفكر لا تفضي إلي الموت أنها الموت نفسه "
  • 4- " الأكذوبة تدخل إلي التاريخ وتتحول إلى حقيقة "
  • 5- " شرطة الفكر "
  • 6- "2+2=5"
  • 7- " الحرب هي السلام..الحرية هي العبودية..الجهل هو القوة "
  • 8- " السلطة ليست وسيلة بل غاية "
  • 9- " التاريخ كان أشبه بلوح تم تنظيفه لإعادة النقش عليه بما تستلزمه مصلحة الحزب "
  • 10- " عواقب كل عمل تكمن في العمل نفسه "
  • 11- " يا اوقيانيا كل هذا من أجلك "
  • 12- " دقيقتي الكراهية "

وقد جاءت الرواية تجسيدا لمستقبل تخيلي يهيمن فيه الحزب الواحد " الحزب الاشتراكي الإنجليزي "، " INGSOC "، حزب يسيطر ويهيمن علي كل شيء، من خلال السيطرة علي العقول والأفكار، فقد كانت كاميرات المراقبة وشاشات الرصد وصور الأخ الأكبر المعلقة في كل مكان، والتي تشعرك دائماً بهذه المراقبة المستمرة، وذلك الخوف المبثوث في الأجواء من حولك جزء لا يتجزأ من تلك السيطرة، ذلك الخوف الذي تحول إلي انتماء بلا شك لمبادئ الحزب، انتماء أعمي تم مزجة بتلك الشعارات الحماسية التي يتم بثها علي فترات متقاربة لإحكام هذه السيطرة، شعارات يمكننا أن نصفها بالتخديرية، فقد كانت بالفعل تعمل علي تخدير العقول لضمان الولاء والسيطرة.
ونجد أن " الأخ الأكبر " هو قائد الحزب، ويتم تصويره في الرواية باعتباره يمثل الفكر الجمعي لأعضاء الحزب الداخلي، وبالرغم من صوره المنتشرة والمهيمنة في كل مكان إلا أنه يظل فكرة وليس شخصا، وقد كان يمثل أيضا الخروج عليه أو علي الحزب ومبادئه أو التعارض معه جريمة لا يمكن أن ينجو من عقابها من يرتكبها " جريمة الفكر "، فمادمت أردت العيش إذن عليك ألا تفكر علي شاكله " نحن نفكر لك "، ومن يرتكب جريمة الفكر كان يتبخر كما كان يتم وصفه، فكما قال وستون سميث بطل الرواية " إن جريمة الفكر لا تفضي إلي الموت أنها الموت نفسه ".

وتتكون حكومة الحزب من أربعة وزارات فقط، وصفهم " وستون "، بأنهم أربع بنيات متشابهة من حيث المظهر والحجم، يشكلان الجهاز الحكومي، وهم " وزارة الحقيقة " وتختص بشؤون الأخبار ووسائل اللهو والاحتفالات والتعليم والفنون الجميلة، و " وزارة السلام " وتختص بشؤون الحرب، و " وزارة الحب " وتعني بحفظ النظام وتطبيق القانون، و " وزارة الوفرة " وتعني بالشؤون الاقتصادية.
قد كان وستون يعمل في وزارة الحقيقة " مينيترو " في اللغة الجديدة، حيث كان يقوم بإعادة كتابة التاريخ بما يتناسب مع مبادئ الحزب، وما يقوله الأخ الأكبر، فقد كان التاريخ كما وصفه " وستون ".. التاريخ كان أشبه بلوح تم تنظيفه لإعادة النقش عليه بما تستلزمه مصلحة الحزب، فقد كان بإمكانه أن يمحي أثره، فقد كان بإمكانك أن تبعث الحياة في موتي دون أن يمكنك فعل ذلك مع الاحياء، إذا كان ذلك ما يتفق مع مصلحة الأخ الأكبر الذي يمثل الحزب، فقد كانت مهمته في وزارة الحقيقة هي تحديث الماضي باستمرار لتحويله وجعله يتفق مع الحاضر، فقد كانت السيطرة علي التاريخ جزء لا يتجزأ من سيطرة الحزب، فكما تقول أحد العبارات الشهيرة بالرواية " من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي "، فقد كانت الأكذوبة تدخل إلي التاريخ  وتتحول إلى حقيقة.

أما فيما يخص " شرطة الفكر " والتي لم تكن فقط وظيفتها القضاء علي كل محاولة للخروج علي مبادئ الحزب، ولكنها كانت تطمح إلي ما هو أبعد من ذلك، حيث كانت تتطلع إلي خلق حالة من التنميط، مجتمع يصبح فيه كل شيء واحد، فعقل الحزب يفكر لك، ويعلم جيدا ما ينبغي التفكير فيه وكذلك يقدمه لك من خلال كل الوسائل المتاحة لذلك، فعلي سبيل المثال نجد أن الإعلام كان يعمل وفقا لخطة مُمنهجة تهدف في النهاية إلي تحقيق هدفها الرئيسي" خلق عقل يلائم الحزب" أو ربما قتل أي محاولة للتفكير أو الوعي فهذا من شأنه أن يؤثر علي الحزب ومبادئه....فكما وصفت ذلك إحدى عبارات ونستون خلال الرواية " إن جريمة الفكر لا تفضي إلي الموت أنها الموت نفسه" وربما أن هذا هو ما كان يلقاه ونستون مقابل كل تساؤل يطرحه عقله، فالخوف الذي كان يواجهة ونستون كان حقا هو الموت ذاته، وربما أن هذا هو أحد مبادئ الحزب ذاته وربما أهمها حيث واجهت الفرد من خلاله هو ذاته، فأصبح الفرد يعيش حالة ازدواجية، يصل معها إلي تكذيب ذاته وتصديق كل ما يقوله الحزب، حتي تلك الحقائق الثابتة، فقد يضطر الانسان إلي تصديق أن "2+2=5"، كما قال ونستون ربما يأتي اليوم الذي نضطر فيه إلي تصديق ذلك.

وقد أراد ونستون أن يتحرر من قبضة هذا النظام التعسفي، حيث أنه كان يشعر دائما بأن هناك ما يدفعه إلي عدم تصديق ذلك، وان كل هذا ليس حقيقيا، إلا أن هذا لم يكن بالأمر السهل، فالطريق محفوفا بالمخاطر بلا شك، فإن تم اكتشاف امره سوف يلقي به إلي الجحيم، أو ربما قل سيلقي به في " جحيم الحزب "، كواحد من الخونه " أتباع غولدشتان "،  الذين يريدون احداث الفوضى وقتل الأبرياء وما إلي ذلك، ولكن علي أية حال فقد قرر ونستون خوض الرحلة التي بدأت كما قالت إحدى عبارات الرواية " بالأفكار ثم انتقلت من الأفكار إلي الأقوال وها هي الأن تنفذ إلي مجال الأفعال "، وهكذا سارت رحلته، بدء من الدفتر الأحمر الذي حاول فيه ونستون أن يسجل ما يكنه للحزب من عداء وأفكار سيئة، وحتي لقاءه وحبه لجوليا، وقد كان حبهما أشبه بالتمرد علي الأخ الأكبر ومبادئ حزبه وسياساته واختراقا لها، ليتبادلا معا سخطهم المرير تجاه الحزب، ومرورا بأوبراين ومحاولتهما لإيجاد رفيقا أخر في هذه الرحلة التي لم يكن هناك سبيلا للخروج منها علي أية حال، فكما ذكرت جوليا في حديثها مع ونستون " فالحزب قوة لن تقهر وستظل قائمة أبد الدهر وكل ما في استطاعة المرء فعله هو أن يتمرد عليه بالعصيان سرا "

وقد كان ونستون دائما يفكر في كيفية التخلص من سلطة الحزب، و لذلك كان يبحث باستمرار عن الماضي والذي يضمر بداخله الحقيقة، إلا أن الأمر لم ينجح فكما ذكر " اننا نكاد لا نعرف شيء ..فكل السجلات قد تم محوها أو تحريفها وكل كتاب أعيدت كتابته وكل صورة اعيد رسمها وكل تمثال أو بناية أو شارع جري استبداله وكل تاريخ تم تحريفه و ما زالت هذه العملية متواصلة يوم بيوم....لقد وصلنا إلي نهاية التاريخ وانتفت صفة الوجود عن كل شيء عدا الحاضر الذي لا نهاية له والذي ينطق دائماً بأن الحزب علي حق "، وبذلك فاللجوء إلي الماضي لن يجدي بشيء، فما بقي من الماضي ليس إلا أشياء قليلة مصمته، لذلك فكر ونستون في أن نهاية الحزب لا تكمن سوي في هؤلاء " العامة " تلك القوة التي باستطاعتها أن تبعث إلي الحياة في يوم من الأيام فتنفخ في هذا العالم روحا جديدة "، هؤلاء الذين مازالوا بشرا يتمتعون بالمعني الحقيقي للإنسانية، و لا يزالوا يملكون عواطف ومشاعر صادقة لا توجه لحزب أو دولة أو فكرة وإنما لبعضهم البعض، أولئك الذين اهملهم الحزب دون أن يعلم أنهم فقط هم من يملكون القوة، فربما كانوا أشبه " بقنبلة موقوته " ولكنها حتما ستنفجر وتزيل معها كل العوائق" إنها القوة التي ستمزق الحزب إلي أشلاء ".

ويأتي ذلك علي عكس جوليا التي كانت دائما تفكر في ان الشجاعة و الدهاء تكمن في كيفية اختراق مبادئ الحزب لأطول وقت ممكن دون أن يتم فضح أمرك بحيث أنه ربما يجعل ذلك الفساد يسري في كل أعضاء الحزب، فكما كانت تقول " فإذا ألتزمت  بصغائر القواعد يمكنك خرق كبائرها "، وكانت تشير إلي أنه من الغباء أن يعتقد المرء أن بإمكانه أن يحدث تغييرًا. و أن ما تعيش فيه البلاد من حالة حرب دائمة ما هي إلا حالة أطلقتها الحكومة " لإبقاء الشعب في حالة من الفزع "، و أن هذا العدو الذي تشير الحكومة إليه باستمرار ما هو إلا خرافات أيضا لجأ إليها الحزب لخدمة أغراضه..
إلا أن الأمر لم يدم طويلا وتحولت هذه الرحلة إلي نهايتها المعهودة، حيث تم إلقاء القبض علي كليهما معاً، ليواجها ما هو أسوء من العذاب ذاته، فقد خضع ونستون شأنه شأن مرتكبي الجرائم إلي التعذيب بكافة أنواعه، و أعترف بكل ما أرادوا أن يعترف به، ولكن الحقيقة أن الاعتراف لم يكن الغاية الوحيدة لهم، فهدفهم الأول كان يكمن في التطهير أو ربما قل الضبط لهذا العقل الذي لامسه الجنون، وكما قال أوبراين أثناء حلقة تعذيبه لونستون " نحن لم نحطم أعدائنا فحسب وانما نغير ما بأنفسهم "، فلم يعد أوبراين هو ذلك المصدر الملهم للقوة و الأمل لدي ونستون، بقدر ما أصبح ذلك المصدر الذي يبث في روح ونستون اليأس.." كان المعذب والمحامي المحقق والصديق معا "، فقد كان أوبراين يعمل لحساب الحزب، ويؤمن بكل آلياته علي اي حال. و كان يعمل علي أن يجعل ونستون يترك كل خرافاته وعدائاته تجاه الحزب، بحيث يترك كل أفكاره الفردية المضللة، و يتبني ذلك التفكير الجماعي الذي يوشي به الحزب.

ولكي يتم تأهيل ونستون إلي هذه الحالة كان عليه أن يمر بثلاث مراحل التعليم والفهم والقبول، وخلالهما كشف أوبراين لونستون عن ما يعنيه مفهوم السلطة بالنسبة للحزب، فقد كان الحزب يهدف بشكل واضح ومباشر إلي السلطة في حد ذاتها دون أي محاولة لإعلان ما هو غير ذلك، فالسلطة ليست وسيلة بل هي غاية في حد ذاتها، وكان الحزب يؤمن بمطلقيته علي السلطة لذلك كان يعمل علي أن يخلق نوعا من العقل الألي الذي يسير بشكل منظم وفقا لما يريده الحزب، عقل قادر علي أن يلتهم أفكاره باعتبارها الحقيقة، فالحزب وحده هو من يملك الحقيقة، وكذلك الماضي والمستقبل.
والحاضر، هو من يكتب الماضي ويرسم الذاكرة " العقل " فما يشير إليه باعتباره الحقيقة "2+2=5" بالفعل هو كذلك، وحسبما أراد ذلك فبإمكانه أن يفعل دون شك، والعقل سيصدق أيضا دون شك. وليس فقط العقل، بل سيصبح الحزب قادرا علي أن تخضع لقالب واحد متجردا من أي محاولة لاختلاف، سيجعلك تؤمن حقا بأن الولاء الوحيد الحقيقي هو ولاءك للحزب ذاته، وستصبح العلاقات ما هي إلا مؤسسات تعمل لحساب الحزب دون غيره..فالمعني الحقيقي للسلطة " هو محاولة تمزيق العقول البشرية الي أشلاء ثم تجميعها ثانية وصياغتها في قوالب من جديدة من اختيارانا "
وهكذا فقد استطاع " أوريل " أن يقدم لنا عالما جديداً، لم يعد فيه مكانا سوي للحزب، عالما يتلاشى فيه الإنسان بكل معاييره وقيمه ومبادئه، عالم يسير وفقا لنظام واحد لا مكان فيه للاختلاف، وتعد أي محاولة للخروج علي هذا النظام ما هي إلا محاولة عبثية لن تفضي إلي شيء في النهاية، فقد أصبح الحزب علي أية حال يحكم سيطرته علي العقول والعواطف، وكذلك علي الماضي والمستقبل.